تعديل

Featured Video

تعديل

عصافير النيل

الاثنين، 15 يوليو 2013




عصافير النيل

إلى الولدين: (هشام) و(شادي)

انتبهت الجدة من غفوتها.
تركت مكانها عند الزير.
وتلمست الجدار حافية حتى البوابة.
وقفت تداري جسمها في صدغ الباب, وتطل برأسها. تتفرج على ابنها عبد الرحيم, الذي خرج محمولاً إلى العربة المفتوحة.
ظلّت تبتسم وتكلّم نفسها حتى انفضَّت الزحمة.
لمحها الحاج محمود الفحّام, واتّجه إليها:
(ادخلي انت يا خالة هانم. إن شاء الله يبقى عال).
(إنت مين يا خويا?)
(أنا الحاج محمود).
(يا صلاة النبي. ابن دولت?).
(لأ, أنا الحاج محمود الفحّام).
(بتاع الفحم?).
(أيوه).
(وجيت امتى يا خويا?)
(أنا هنا من بدري).
(الحمد لله على السلامة. اتفضل).
(تعيشي).
(ما يصحش).
(معلش. ادخلي انت علشان الزحمة).
(تسلم من كل ردي. هم شايلين الواد عبد الرحيم ورايحين فين?)
(أنا رايح اشوفه وارجع اطمّنك).
قالت الجدة:
(يخيّبك يا عبد الرحيم. لازم الانتخابات رجعت تاني).
وسألت: (إنت يا خويا عاوز تروح لهم?)
(أيوه. حا غير هدومي وأحصّلهم).
(حتلاقيهم حدا الدكاكين, في أول البلد, ما هو المنشاوي باشا نجح).
واستدار الحاج إلى الناحية الأخرى وقال: (لا حول ولا قوّة إلاّ بالله).
(تشرف يا خويا وتآنس. أهلاً وسهلاً).
واستدارت بجرمها الصغير:
(بنت يا دلال. هئ هئ هئ).
ودخلت.

كانت أمينة في المطبخ. والأستاذ عبد الله بن عثمان قاعد في الصالة, يحتسي القهوة ويدخن. كان يتفرج على التلفزيون, ويلمح الولد الكبير, عبر باب حجرة النوم الموارب, وهو يجرّب هدومه كلّها أمام المرآة, أمّا الولد الصغير, الذي استلقى بالعرض داخل المقعد الكبير, دماغه على مسند, وساقاه متدليتان من فوق المسند الآخر, فقد كان يتابع الشاشة, ويقاوم النعاس.
في ذلك الوقت كانت المذيعة الشابة تقف وسط مجموعة من التلاميذ الصغار عند سفح الأهرام, تسألهم عن عددها, وأسماء من بنوها, والأولاد يرفعون أصابعهم ويجيبون: خوفو. خفرع. منقرع. بينما المدرِّسة المرافقة, تظهر على الشاشة أحيانًا, وتختفي. وعندما قالت المذيعة:
(طيِّب, مين يعرف الفراعنة بنوا الأهرامات ليه?)
لم يجبْ أحد.
ثم رفع أحد الأولاد إصبعه.
(قول يا حبيبي).
وقربت الميكروفون من فمه. قال الولد: (هم بنوا الأهرامات, علشان يدفنوا فيها حضرة الناظر).
(يا خبر).
وضحكوا, المذيعة, والولد النعسان.
الأستاذ عبد الله أيضًا ضحك, وأطفأ سيجارته.
فكّر أن يقوم ويخبر أمينة بما قاله الولد, لكن صوت الكناري, ارتفع مدويًا داخل الصالة.
كان القادم هو سلامة, الشقيق الأوسط للأستاذ عبد الله.
ولأنه جاء على غفلة توقّع الأستاذ أن يسمع ما لا يدعو إلى الراحة.
تأكدت شكوكه عندما رأى سلامة يجلس وهو يباعد ما بين ساقيه, ويتكئ بمرفقيه على ركبتيه, ويتطلع إليه وهو صامت.
لم يشأ, من ناحيته أن يتساءل, ولكنه فضَّل أن يكتفي بالابتسام ويؤجل الكلام, مراعيًا ألاّ تكون عملية التأجيل أطول من اللازم, لكي يبدو موقفه طبيعيًّا, ولكي يجبر سلامة على الحديث دون أن يسأله, وما ذلك إلاّ لأن الأستاذ لم تكن تعجبه حالة الجدية التي يصطنعها شقيقه كلما جاءه بواحد من أخباره السوداء غالبًا, والتي تخص العائلة. كان يضايقه أكثر أن سلامة يداري ما يشبه الابتسام وهو يحدّق إليه, أو يتشاغل بالنظر إلى الثلاجة الموضوعة في ركن الصالة, كما يفعل الآن, كأنه لم ير هذه الثلاجة عشرات المرات من قبل, كأنه يريد أن يخيفه, أو على الأقل يقلقه, في الوقت الذي كان يجب عليه, هو بالذات, معرفة أن شقيقه الكبير, وقد تلقى من الأخبار أسوأها, لم يعد من السهل إخافته, لذلك لم يكن الأستاذ راضيًا. وكاد الصمت بينهما أن يكون سخيفًا لولا أن أمينة بانت من المطبخ وهي تقول:
إزيّك يا ابو أمل, وازاي سامية?)
اعتدل سلامة, وفي أسًى حقيقي, قال:
(بقى لنا يومين ما نمناش يا ام عصام).
(حد تعبان من العيال والاّ إيه?)
(يا ريت).
وأخرج علبة سجائره, وانشغل.
وبما أن الموضوع فُتح فعلاً, فإن الأستاذ تساءل, بهدوء:
(إيه الحكاية?)
(ستّك هانم).
(إيه? ماتت هي كمان?)
(يا ريت).
(يا ريت ازاي?)
(علشان اللي بيموت, بنعرف طريقه, لكن دي اختفت).
(اختفت ازاي يعني?)
(يعني فص ملح ودابت).
(ستّك هانم?)
سلامة هزّ برأسه موافقًا.
(من إمتى الكلام ده?)
(دلال بتقول من يومين تلاتة).
ونفخ دخان سيجارته وقال أنهم, من ناحيتهم, لم يتركوا مكانًا لم يبحثوا فيه, فضل الله عثمان (إحدى مناطق حي إمبابة قرب القاهرة) بيتًا بيتًا, الحواري التي حول فضل الله عثمان, الأقسام, المستشفيات, حتى المشرحة:
(دوّرنا فيها).
وأمينة قالت:
(يا ساتر يا رب).
(الحاج محمود الفحّام كان في المشرحة من ساعتين).
والأستاذ عبد الله استغرب جدًا:
(راحت فين يعني?)
(أنا باقول جايز, والله أعلم, تكون راحت البلد).
(أي بلد? ولمين? دي بقى لها أكتر من تلاتين سنة ما سافرتش).
وفكّر قليلاً, وأضاف:
(وبعدين تسافر إزاي? دى تجاوزت التسعين).
سلامة قال:
(ستك عندها ماية وأربعين سنة النهار ده).
(انت بتقول إيه?)
(باقول لازم تسافر).
(أسافر فين?)
(البلد).
هكذا قال سلامة وهو يغيّر من نبرة صوته, ويوضح أن ستّه لو كانت موجودة في البلد الآن, ولم يسأل عنها أحد, فسيقولون أن أولاد ابنتها تركوها في هذه السنّ تسافر وحدها:
(وتبقى فضيحة).
ثم إن عبد الله هو الوحيد بينهم الذي عرف البلد وهو كبير:
(يبقى لازم هو اللي يسافر, صحّ?)
أمينة قالت:
(صحّ).
والأستاذ قال:
(أسافر أقول يا مين هناك?).
(قول يا أي حد. المهم نبقى سألنا).
وباعد ذراعيه على جانبي المسند:
(فين الشاي يا أم عصام?)
(الشاي على النار يا ابو أمل).
انتهى الأستاذ من حلاقة لحيته النابتة البيضاء.
ارتدى قميصًا من قمصانه المكوية, ومسح الحذاء المركون.
ووقف أمام المرآة, يرتب شعره الذي شابه البياض.
وفي الطريق, كان إحساسه, الذي نادرًا ما خانه, يقول له إنه سوف يجد زوجة خاله دلال واقفة في فتحة الباب, بوجهها الضاحك, تخبره أنهم عثروا عليها, وأنه سوف يتقدم إلى حجرتها الصغيرة المعتمة, في نهاية الطرقة الطويلة, يطلّ عليها, ويراها على الكليم بثوبها الأسود, يضحك معها ويخبرها كيف يعتقد سلامة أنها تاهت, ثم يجلس مع دلال في الحجرة الكبيرة, يشرب الشاي, ويعود.
اتخذ الأستاذ طريقه إذن, ودخل فضل الله عثمان من نهايته المفتوحة على أرض السوق الكبيرة الخالية التي تقع شمال النيل. كلما جاء إلى فضل الله عثمان شعر بالحرج من كبر سنه, فكر في ذلك بينما هو يعبر إلى جوار عربة محمد أفندي الرشيدي المتربة, تحت شباك شقتهم القديمة المقفل. وكان فضل الله عثمان يوشك الآن أن ينتهي, عند قطر الندى الممتد من النيل شرقًا وحتى غرب المدينة, حيث يقع بيت خاله, ومن مكانه, كان في وسعه أن يرى المدخل البعيد, وعندما اقترب أكثر, أدرك أنه كان مفتوحًا.
كانت دلال تجلس على الحصيرة البلاستك المفروشة أسفل المدخل المفتوح.
ما أن لمحته حتى انفجرت باكية.
اتجه الأستاذ إلى الحجرة الكبيرة وقد بدأ الهمّ يركبه فعلاً, وجلس راغبًا في سماع كل شيء بالتفصيل. كانت الحجرة تسع سريرًا عريضًا, وطاقمًا أسيوطيًّا, وكنبة بلدية تحت النافذة الطويلة. وعلى الجدار المطلي بالجير الأخضر الباهت, عُلّقت صورة بالأبيض والأسود في إطار ذهبي قديم. لكن دلال لم يكن لديها الكثير لكي تضيفه إلى كلام سلامة: لقد لاحظت يوم السبت أنها لم تسمع أية حركة داخل الدار, وعندما اتجهت إلى حجرتها لم تكن هناك, ولما لقيت أن المداس اختفى, تأكدت أنها خرجت.
(مداس ايه?)
(اللي كانت بتلبسه لما تيجي خارجه).
(هي كانت بتخرج?).
(أبدًا).
(إمّال إيه?).
دلال قالت ما معناه, أن الجدة هانم, من يوم ما ماتت ابنتها نرجس, أم الأستاذ عبدالله, وهي تبحث عن مداسها لكي تلبسه وتروح لها, وبعدما بدأت هذه الحكاية تغيب عن بالها, مات ابنها عبد الرحيم, وهي رجعت مرة ثانية تبحث عن المداس لكي تلبسه وتروح لهم, ولذلك خبأته منها وراء الزير.
(تروح لهم فين?)
(ربنا وحده اللي يعلم).
(يمكن راحت لهم القرافة?).
(لأ. دي هي بيتهيأ لها إنهم عايشين).
(عايشين?).
(إمّال إيه?)
والتفتت إلى الولد عبد الله الصغير الذي يجلس في ركن الفراش وقد طوى ساقيه:
(قوم يا واد هات باكو شاي).
نظر الأستاذ بدوره إلى الولد الذي يحمل اسمه, والذي كان من عادته أن يتجاهله, ثم أشعل سيجارة وقال:
(في رأيك أنت كده, تكون راحت فين?)
(مفيش قدامنا غير البلد).
(هي تعرف تسافر?)
(يمكن سألت وحدّ دلّها).
قال:
(حاجة غريبة جدًا).
(لازم تسافر بُكره يا أستاذ عبد الله).
(ربنا يسهل).
(اعمِل معروف يا ابو عصام).
وقامت تعمل الشاي.
وقام هو واقفًا.
اقترب من الإطار الذهبي القديم.
راح يتأمل الصورة التي جلست في مقدمتها أمه نرجس, ما زالت بصحتها, وإلى جوارها الجدة هانم, ضئيلة في طرحتها السوداء, وخلفهما, كان خاله عبدالرحيم, ممتلئًا وشابًّا, بشعره الطويل المفروق. وبينما هو واقف انقطع النور, وجاءت دلال تحمل لمبة الجاز الكبيرة. وضعتها على قاعدة النافذة الطويلة, التي فتح نصفها العلوي على فضل الله عثمان, المعتم.
مرّة, النور انقطع فجأة على نرجس وهي قاعدة تتفرج على التليفزيون.
نرجس ارتعبت لأنَّها لا تخاف من شيء في الدنيا مثل العتمة. ومشت خطوة واحدة في انتظار البهي عثمان, الذي كان عند جابر البقّال.
وعندما تبينت حفيف الجلباب عند الباب قالت:
(أبو عبده?)
والبهي قال:
(أيوه).
ودخل المطبخ.
نرجس وقفت حتى سمعت يده وهي تنكش في علبة الكبريت, ورأت النور الخفيف وهو يأتي من الطرقة, وراقبت خيال الفوطة المعلقة في المسمار وهو يكبر على الحصيرة, ثم ينسحب إلى الجدار ويصغر, أمام لمبة الجاز التي جاء يحملها بين يديه الاثنتين.
البهي رأى نرجس وهي على هذه الحال وابتسم.
وضع اللمبة على التلفزيون ومسح زجاجها الدافئ بكفيه وعلاّها, وسألها عن علبة الكبريت التي طلب منها أن تحتفظ بها وتنور لنفسها إذا النور انقطع. وهي رجعت مكانها وقعدت على الكنبة وقالت إنها غلبت من عيال ابنتها إحسان, الذين لا يتركون شيئًا في مكانه أبدًا.
البهي عثمان سمعها وأخرج ورقة أسبرين من جيب الجلباب وهو واقف.
وضع القرصين على لسانه وتناول القلة من جنب التلفزيون وأخذ شربة ماء وابتلعهما, وقعد على الكنبة الأخرى ومد يده الممسكة بالمسبحة على ركبته المثنية, وركن الشمال على المسند وأخبرها أن أم حسين البقّالة أعطته قبل الظهر ربع جنيه قديمًا, وأنه أعاده إلى ابنها جابر, أخذه وأعطاه ربع جنيه آخر, ولمس جانب فمه بأطراف أصابعه.
ونرجس سألته عما إذا كان ضرسه لا يزال يؤلمه. والبهي قال:
(آه).
(طيب يا خويا اخلعه).
(يا ستّي).
(ما دام بيوجعك).
(أنا لسه ح اخلع واعمل يا أم عبده?).
نرجس قالت إن كل الناس تفعل ذلك في مستشفى الموظفين, وإن وجع ساعة ولا كُلّ ساعة:
(ولا انت يعني عليك ذنب, تفضل طول عمرك وانت تعبان منه?)
(لا طول عمري ولا حاجة. آهو شويه كده, لغاية الواحد ما يروح لحاله).
نرجس سكتت وفكرت في أسنانها التي كانت تعوم وتقع في فمها دون أي وجع, وقالت:
(أنا اللي أسناني خابت لوحدها).
وإنها كانت ترميها من الشباك:
(سليمة وزي الفل. النور اتأخر).
(زمانه جاي).
(يا ترى مقطوع عند الجامع?).
(فضل الله عثمان كلّه عتمة).
وقال إن العيال لم يظهروا. لم يَرَ أحدًا منهم. ولكن نرجس قالت إن الولد عبد الله الصغير كان هنا, وسلامة, زمانه ساحب مراته وجاي.
(الكلام ده امتى?)
(وانت نايم).
(وإحسان?).
(عيالها كانوا هنا. نرجس الصغيرة, والواد وليد).
وأخبرته أنه قعد وقال:
(هاتي شلن يا ستّي).
أخذه وهبد الباب وراءه وخرج.
أبو عبده قال إن هذا الولد, بلون شعره وعينيه, يذكّره بالشيخ راشد الذي كان في البلد. أبو الشهيد عبد السميع الله يرحمه:
(فاكراه يا نرجس?).
نرجس عدلت جسمها على الكنبة وقالت:
(فاكراه قوي).
ووصفت له جلبابه المقطوع وطاقيته المدورة, وكيف كانت تجري وراءه من بعيد, هي بنت, مع أولاد يحيى, من عند دار الطناحي, إلى سيدي علي الشنبابي غرب البلد:
(ده كان كافر يا ابو عبده).
أبو عبده هز دماغه وقال:
(سبحان الله).
وأخبرها أن راشد بعد أن تاب, كان يقف أمام باب سيدي علي الشنبابي ويهمس في خرم المفتاح ويقول:
(واد يا علي, سلام عليكم, افتح يا واد. أنا راشد).
وكان باب الجامع المقفل بترابيس النحاس من الداخل يفتح على الناحيتين, وراشد يدخل ينام والباب يقفل من ورائه.
(ده من عيلة اللبودي يا ابو عبده).
(عارفُه, وعارف ولاد عمه كلهم. أرضهم كانت على المصرف البراني).
(شوف الدنيا, يا ترى راشد مات يا ابو عبده?) (تلاقيه مات, من يدري).
نرجس مصمصت بفمها الخالي من الأسنان وقالت: (يا دي الخيبة على حكاية النور دي يا أولاد).
وصمتت قليلاً:
(يا ريتك يا ابو عبده لما اموت, توصل لي سلك بلمبة في التربة).
(ازاي الكلام ده?)
(تعرف, ولو أسبوع واحد).
البهي عثمان كان أول مرة يسمع فيها كلامًا بهذا الشكل.
وقال:
(دي تضرب يا وليه).
نرجس قالت:
(أبدًا. والنبي ما يجرى لها حاجة).
البهي عثمان سكت وتهيّأ له أن اللمبة لن تضرب. وفكر بينه وبين نفسه: (صحيح, إيه اللي يخليها تضرب?) لكن عقله راح ناحية الملكين وهل يصح أن يكون الحساب في نور لمبة الكهرباء أو لا يصح. واستغفر ربنا وهرش رجله الشمال, وبدا له أن الموضوع غريب في نوعه, وغادر الكنبة وأتى بعدة الشاي, وابور السبرتو, والبراد الأزرق, والأكواب.
نرجس رجعت تقول إنه يستطيع أن يأخذ وصلة سلك من عبد الخالق الحانوتي, ويشتري لمبة ولو خمسين شمعة, مثل التي في الحمام, ودواية: (يعني عمرها ما تكلف خمسين قرش, والا يمكن أربعين. تعرف, أسبوع واحد, لغاية ما آخد على الضلمة).
أبو عبده وضع السكر في الأكواب وهو يقول في سره:
(وصلة إيه يا خويا وسلك إيه?) وفكر أن السلك بعد تركيبه في المقبرة لا بد يردم عليه, وبعد أن يردم عليه يخرجه من تحت الأرض في الناحية الثانية من الطريق, ويصله بالفيشة عند عبد الخالق الحانوتي. وطبعًا ممكن يتعرى من الرطوبة وأي واحد يدوس عليه ويتكهرب: (ده يموت, وتبقى دوشه).
وأشعل وابور السبرتو. وضع عليه البراد الأزرق, ومد لها يده بعلبة الكبريت.
طلب منها ألاّ تضيعها هذه المرة.
وهي أخذتها منه, خبأتها تحت المسند وهي تقول بأسى, إن أولاد إحسان شياطين, لا يتركون شيئًا في مكانه, أبدًا.
فوجئت نرجس بحركة في العتمة.
خارج باب الشقة المفتوح.
قالت وهي تلم رجليها:
(مين?)
قال شقيقها:
(منورين).
وقال البهي عثمان:
(أنت فين من بدري?)
(في الدار).
وجلس على حافة الكنبة ويداه في جيبي جلبابه.
قالت نرجس:
(سايب امك في العتمة وجاي ياعبد الرحيم?)
ضحك:
(هي دريانة ان كانت عتمة ولا نور?)
ظل النور مقطوعًا حتى انتهت صلاة الظهر, ثاني يوم, في جامع السنية القريب, والبهي عثمان تناول الشبشب من الدولاب المنصوب مثل المكتبة في مدخل الجامع, ومشى بقامته القصيرة في الشمس الحامية حتى وصل إلى أم حسين البقالة, ودخل من باب البيت, وراح يصعد الدرجات القليلة وهو يعري ساقيه النظيفتين ويحمد ربنا أن الطوبة وقعت على أم حسين ولم تقع عليه.
عندما اقترب من باب الشقة الموارب, لمح محمد أفندي الرشيدي في الناحية الأخرى من الحوش. ولما لاحظ أنه طويل وهو لابس الجلباب المخطط على أول درجة من السلم الداخلي, تصرف بسرعة, بحيث ترك ذيل الجلباب ينزل على قدميه, ومد يده بهدوء لكي يدفع الباب ويدخل من سكات, لكن محمد أفندي الرشيدي أحس به وقال:
(إزيك يا سي البهي?).
وأمسك ساعة الجيب وقربها من عينه اليسرى وهو واقف, ثم رفع وجهه, بأنفه الكبير, ونزل درجة السلم وجاء.
وبعدما عدل السلسلة المشبوكة في عروة الزرار, وتركها مدلاة على صدره:
(عامل إيه دلوقت يا أبو عبد الله?)
(نحمده يا أبو حنان).
أبو حنان سمعه وظل ينظر إليه, ثم وضع يده على كتفه وأخذه نحو شباك المنور المفتوح, وسأله بصوت خفيف عن هذا الكلام الذي سمعته أم حنان من أم عبدالله:
(انت صحيح طلعت على المعاش?)
البهي عثمان سند كتفه جنب قاعدة الشباك, وشم رائحة الرطوبة والفراخ, وابتسم كمن يريد الكلام, وسكت.
وأبو حنان قال:
(الله. إذن الكلام صحيح?)
(هو صحيح. بس انا تقدمت بشكوى).
أبو حنان بهت قليلاً, ومال برأسه إلى الأمام:
(قدمتها لمين?)
(للمسؤولين).
(إزاي الكلام ده?).
البهي عثمان خلع رجله من فردة الشبشب وثناها تحت الجلباب, أخذ يحك باطن ساقه العارية بإصبع قدمه الكبيرة وهو يقول إن الموضوع حدث فيه خطأ, وإن الحكومة أخرجته على سن الستين بدلاً من الخامسة والستين:
(أصل انا معيّن على الكادر الفني).
(الكادر الفني?)
(إمّال انا باصرف بدل طبيعة عمل ليه?)
(بتصرف كام?)
(عشرين في المية).
(على الشامل?)
(لأ. على الأساسي).
أبو حنان استغرب وقال:
(ازاي الكلام ده?)
والبهي عثمان شعر بالارتباك حين وجده رجع وقال: (إزاي الكلام ده?) لثاني مرة, وبعد فترة بسيطة من المرة الأولى, ولبس الشبشب وأراد أن ينصرف لأنه قدر أن يحافظ على طهارة وضوئه منذ صلّى الفجر حاضرًا, وهو يريد الآن أن يذهب إلى المرحاض.
وبدأ يبعد عن شباك المنور ويقرب من باب الشقة.
ومحمد أفندي الرشيدي لحقه وقال:
(لكن ده شيء غريب يا أبو عبد الله).
(يا سيدي).
(طيب وبعدين?)
(ما انا قلت لك يا ابو حنان).
(خطير ازاي?)
(زي ما باقول لك كده).
(لكن دي غلطة).
(إنت متأكد?)
البهي عثمان قال: (أيوه), لأنهم من حوالي سنة أخذوا منه الموتوسيكل وسلموه دفتر الحضور والانصراف واعتبروه من الكادر الكتابي: (ما تعرفش ازاي نسيوا حكاية الموتوسيكل دي خالص).
(أخدوه ازاي? ده عهده).
(هو إيه?)
(الموتوسيكل).
(القومسيون).
(القومسيون الطبي?)
(آه).
(ازاي الكلام ده?)
البهي لما سمع هذه الجملة لثالث مرة, وجهه المدور ازداد احمرارًا من كثرة الضيق, وقال:
(يا سيدي هو اللي كتبه).
(يعني تقرير رسمي?)
(أهي ورقة كده).
(الورقة دي, كتب فيها إيه?)
البهي عثمان تنهد وقال:
(كتب إني لازم أسلّمه).
(تسلّم إيه?)
(الموتوسيكل يا أخي).
(أيوه أيوه).
وفكر وقال:
(طيب. حيث إن الموضوع كده. إيه رأيك بقى في مشروعنا?)
(أيّ مشروع?)
(مشروعنا بتاع زمان يا ابو عبده. الدكان).
(دكان إيه?)
(دكان عمك مجاهد. بتاع الفول).
(ماله?)
(خلاص. الراجل انتهى).
(لا حول ولا قوة إلاّ بالله).
محمد أفندي الرشيدي قال إن ذلك ليس هو المهم. المهم الآن هو الدكان:
(لازم ناخده).
(ناخده إزاي?)
(زي أي حد يا أخي).
وطلب منه أن يلاحظ أنه الآن على المعاش, يعني لا شغلة ولا مشغلة, ممكن يقوم من النوم, يصلي الفجر حاضرًا ويفتح الدكان, ويظل جالسًا فيه حتى يعود هو من العمل:
(أصلّي العصر وآكل لقمة وأستلم منك. مش عيب أبدًا).
(والفلوس?)
(أي فلوس?)
(اللي حانشتري بيها البضاعة?)
محمد أفندي الرشيدي قال إنها مبالغ لا تذكر. وإنه لو فكر معه سوف يجد أن المطلوب لن يزيد عن صفيحة جير يدهنون بها الواجهة والجدران, ورفين من خشب أو ثلاثة, وكمية من البضاعة في الحدود المعقولة. بعد ذلك, كلها سنة ويخرج هو الآخر على المعاش ويعمل معه في وردية واحدة. لأن التجارة سوف تكون اتسعت.
والبهي عثمان قال بطريقة لا تخلو من اهتمام:
(على العموم الأعمال التجارية مربحة).
(جدًا. وبعدين خد عندك), وبدأ يعد على أصابع يده وهو يسأل ويجاوب: حجم الدكان? مناسب. المكان? جميل. المشوار? خطوتين. الإيجار? ملاليم:
(إيه تاني يا أبو عبد الله?)
أبو عبد الله رأى الأصابع التي كان أبو حنان يعدّ عليها وهي تنثني إصبعًا وراء الآخر, ورفع مقدمة دماغه الخالية من الشعر, ونظر في أنف محمد أفندي الرشيدي, الذي وضع يده على كتفه وعاد به إلى مكانه عند باب الشقة الموارب وهو يطلب منه أن يتوكل على الله, ونبهه إلى أن أهم شيء الآن هو عدم الكلام في هذا الموضوع أمام أيّ أحد, خصوصًا أم عبد الله. وأكّد:
(أبو عبد الله?)
(عيب يا بو حنان).
(طيّب سلام عليكم).
ورفع ذيل الجلباب, وبدأ ينزل السلم.
(عليكم السلام ورحمة الله).
وفتح الباب .. نظر إلى نرجس التي كانت قاعدة تتفرج من الشباك ويدها على خدها.
اتجه إلى الحجرة الداخلية وقلع الجلباب ورماه على السرير, واقترب من سترته الحكومية المعلقة في مقبض الشباك. وضع يده في الجيب الخارجي وأخرج علب السجاير ومشط الكبريت, وشب على أصابع قدميه ورأى الحاج محمود الفحام وهو يجلس على الدكة في هذه الناحية من فضل الله عثمان, والعم مجاهد وهو نعسان جنب قدرة الفول الكبيرة على عتبة الدكان, واتجه مسرعًا إلى المرحاض وهو يشعل السيجارة.
أغلق الباب على نفسه جيدًا, ورفع الفانلة حتى صدره وأنزل السروال, وقعد يقضي حاجته ويدخن, ويرى خياله في المياه الخفيفة على البلاط ويلعب فيها بعود الكبريت, ولما ارتاح, مال ورمى العود في الفتحة المدورة, وهز دماغه وقال:
(الله يخرب عقلك يا ابو حنان)..
أثناء صلاة العصر, أقبل عليه الحاج محمود الفحام من آخر الجامع, وأخبره أنَّ فتحي عماد المحامي, والمرشح عن الدائرة لعضوية مجلس الشعب, سوف يلتقي بالناخبين في أرض السوق, بعد صلاة العشاء مباشرة, واقترح عليه أن يقدم له صورة من الشكوى.
البهي عثمان فوجئ بأن الحاج محمود على علم بالموضوع, وتطلع إليه صامتًا, ثم قال:
(لا يا راجل?)
(صدقني يا أبو عبدالله. ده مرشح الحكومة)
كان يتكلم بصوته المبحوح وهو واقف بقامته القصيرة الممتلئة, وجلبابه البلدي المفحّم, وقد انحدرت طاقيته الصوفية عن شعره القصير الشايب. والبهي عثمان أسرع بالابتعاد في فضل الله عثمان. وبعد صلاة العشاء, طوى صورة الشكوى ووضعها في مظروف بريد جوي ملون دسه في جيب سترته الداخلي, وغادر فضل الله عثمان يرافقه كل من الحاج محمود الفحام, وعبد الرحيم, ومحمد أفندي الرشيدي. وظلّ طول الطريق يسير متخلفًا عنهم بخطوة أو خطوتين وهو يبتسم في نوع من الحرج, وركل طوبة بقدمه اليمنى, مرة, وكاد أن يقع.
عندما وصلوا إلى أرض السوق, وجدوا المقاعد مرصوصة على شكل دائرة كبيرة تتوسطها منضدة خالية عليها مفرش, وحولها أربعة مقاعد في انتظار المرشح ومعاونيه. أسرع محمد أفندي الرشيدي يدفعهم للجلوس في الصف الأول على مقربة من المنضدة. وكان المعلم صبحي يقف في الخارج وعينه تتابع الطريق في الانتظار. أما القهوجي فقد كان في حالة من الحماس الملحوظ وهو يضع أمامهم أكواب الكركديه الساخن.
كانت أغلب المقاعد ما زالت خالية.
وبدا البهي عثمان محرجًا وهو يشرب الكركديه,
لكن باله انشغل فجأة, ومال على الحاج محمود الفحّام, وهمس في أذنه القريبة:
(لكن انت يا حاج عرفت منين?)
(عرفت إيه يا أبو عبد الله?)
(الكلام ده).
(كلام إيه?)
(بتاع الشكوى والحكاية دي)
(خروجك على المعاش يعني?)
البهي عثمان هز دماغه على نحو غير محسوس.
والحاج محمود همس قائلاً إن محمد أفندي الرشيدي, أبو حنان, أخبره بكل شيء, وتهدج صوته الأجش:
(إحنا أهل يا ابو عبد الله. مش كده والاّ إيه?)
والبهي عثمان قال:
(آه).
ورمق محمد أفندي الرشيدي بجانب عينه وهو يشعر بالكراهية له وللشعر القصير الذي يتدلّى من فتحة أنفه المقرفة.
صحيح أنه طول عمره لم يكن يشعر نحوه بأي ارتياح, إلاّ أن هذا الشعور كان يزيد أو يقل حسب الظروف, وهو الآن في ظرف من الممكن أن يقبل فيه العمى ولا يقبله. وراح الرواد يتزايدون. وراح الصخب يعلو في انتظار المرشح الذي تأخر. وبدأ البهي يشغل وقته بالتفكير في كل العيوب التي يعرفها عن الرشيدي, وأولها حكاية ذهابهما إلى الجامع لأداء الصلاة, أيام الشباب, وكيف أنهما سجدا لله عز وجل, حين تدحرجت بريزة فضيّة من جيب أحد المصلين واستقرت أمامهما, وكيف أنه لمح, عندما ركعا, يد محمد الرشيدي تنزل على البريزة بالضبط, وكيف أنه بعد أن قال: (سبحان ربنا الأعلى) ثلاث مرات, وسحب كل منهما يديه واعتدل, كانت البريزة, بقدرة قادر, قد اختفت.
وفي حوش البيت قبل أن يفترقا, راح البهي يحدق إلى جيب جلباب الرشيدي العلوي, ويبحث عن علامة البريزة الثقيلة في القماش الخفيف.
وأفاق على الهياج الذي صنعه مرافقو المرشح الذي وصل محمولاً من طريق النيل وهو جالس بين ذراعي اثنين من الرجال.
وضعوه على المقعد بعناية.
كان يلهث في بدلته الكاملة وقد تدلّى منديله الملون من جيب السترة. ولاحظ البهي عثمان أن الرجل ممتلئ الجسم وشعره فضي, ووجهه المحمر مائل على صدره, وفي فمه اعوجاج خفيف, وكان الشيخ على السني خطيب الجامع يجلس إلى يمينه مبتسمًا, بوجهه الطيب, ولحيته الكبيرة السوداء. كانت المقاعد كلها مشغولة, ووقف عدد كبير من الناس. كما لاحظ أن المرشح سرعان ما هدأت أنفاسه, وفتح عينين رماديتين, وفوجئ بصوته الجهوري وهو يصيح:
(مساء الخير يا رجّالة).
وتلفت بوجهه هنا وهناك وهو يقهقه دون صوت, وعدل من وضعه, وسكت.
كانت هناك مجموعة من المرافقين تتجول بين الناخبين لكي تتأكد من أن كل واحد شرب كركديه. والبهي لاحظ أن محمد أفندي الرشيدي طلب كوبًا آخر شربه وهو في حال من اللذة الواضحة, وأن المرشح عاود إغلاق عينيه ومال رأسه الثقيل, واستند بخده إلى يده, بينما اتكأ بمرفقه على المنضدة. وشعر البهي بالاشمئزاز من دناءة الرشيدي, وفَطِن إلى أن كل مجموعة بدأت تتحدث مع بعضها, وبدأ يظن أن اللقاء كان من أجل شرب الكركديه فقط, ولكنه فهم من الكلام أنهم في انتظار المنشورات من المطبعة لكي يتم توزيعها عليهم. واقترح الحاج محمود الفحام أن يقوم أبو عبد الله بتسليم الشكوى للمرشح, ولما لاحظ أنه لم يردّ عليه, قدم الاقتراح نفسه إلى محمد أفندي الرشيدي الذي قال:
(هو لسه ما سلمهاش?)
والتفت إلى البهي عثمان:
(جرى إيه يا أبو عبد الله? قوم ادخل عليه).
ولكن البهي تجاهله تمامًا, في حين تنبه عبد الرحيم للكلام ومد يده:
(هات يا سي البهي).
التفت البهي إليه, وعندما لاحظ إصراره, مد يده بالمظروف الملون وهو يقول:
(الراجل نايم يا عبد الرحيم).
ولكن المرشّح لم يكن نائمًا تمامًا لأن خده انزلق على كفه وهو ما زال مغلق العينين, وترك مرفقه على المنضدة وراح يفرد أصابعه ويلمها في الهواء, ولما لامست أطرافها لحية الشيخ علي السني أمسك بها يمسدها برفق ويجذبها, بينما ظهرت أمارات التفكير على وجه الشيخ الذي مال إلى سطح المنضدة مع حركة الجذب. وفي ذلك الوقت اخترق أحدهم الزحام وهو يحمل إلى صدره مجموعة من رزم الورق المربوط, وصاح:
(المنشور يا باشا)
انتفض المرشح منتبهًا, وأفلت اللحية وهو يصيح:
(مستنى إيه: وزّع على الرجالة. ده معمول علشانهم).
والتفت إلى الشيخ علي:
(ولاّ إيه يا فضيلة الشيخ?)
ابتسم الشيخ ولم يعلّق.
أمسك البهي عثمان بالمنشور ورأى الصورة الباهتة في أعلاه, وقارن بينها وبين الرجل ولاحظ أنها تشبهه, ومر بعينه على السطور المكتوبة عن الخدمات التي سبق له القيام بها, وانتبه لصوت المرشح الذي رفع يده بنسخة من المنشور وهو يصيح:
(والله. والله. أنا لو ناخب, لازم أدي صوتي للراجل ده).
وانفجر ضاحكًا, وشاركه الآخرون.
ولما لاحظ عبد الرحيم أنهم اقتربوا منه لكي يحملوه, أسرع نحوه ودفع بالشكوى إلى جيبه, بينما لحقه الحاج محمود الفحام وصاح أن هذا الرجل الطيب, مشيرًا إلى البهي عثمان, سوف يضمن له أصوات فضل الله عثمان كلها. ورآه البهي وهو يهز رأسه متأثرًا بينما هو يجلس على الأذرع المتقاطعة. وقبل أن يستديروا به في طريقهم إلى العربة الكبيرة المفتوحة (...).
ظلوا صامتين حتى وصلوا إلى فضل الله عثمان.
حينئذ قال الحاج محمود الفحام:
(أنا متفائل خير بالراجل ده).
وقال عبد الرحيم وهو يمشي واضعًا يديه في جيوب الجلباب:
(أما يبقى ينجح الأول. وحتى بعدما ينجح, محتاج زيارة تانية).
وعلق محمد أفندي الرشيدي:
(ده مرشح الحكومة يا سي عبد الرحيم. أنت شفت العربية اللي ركبها?)
البهي عثمان تجاهل كلام الرشيدي, ورد على عبد الرحيم قائلاً:
(ده كان قاعد نايم).
وقال الفحام:
(من التعب يا ابو عبده. طول النهار بيلف?) (يقوم يلعب في دقن الشيخ علي السني?)
قال الرشيدي: (إزاي الكلام ده?)
البهي عثمان وقف عن المشي وقال غاضبًا: (أيوه لعب, مسك دقنه وشدها).
(ما حصلش).
وقال عبد الرحيم: (جرى إيه يا إخواننا? ما احنا كلنا شفناه وهو ماسك دقن الراجل وبيشدها).
(أنت قصدك لما افتكرها كباية الشاي?)
(كباية الشاي?)
(أمال إيه?)
والبهي عثمان فكر, وقال:
(طيب وإيه جاب الكباية اللي على الترابيزه? عند دقن الشيخ علي, اللي في وشه?)
ولما سكتوا, أضاف:
(غير كده, تيجي منين كباية الشاي, إذا كانت الناس كلها, شربت كركديه?) ودون أن ينظر هنا, أو هناك, ابتسم ابتسامة معناها: (آه يا بهايم يا ولاد الكلب!)
لم يستطع أحد أبدًا أن يوقف البهي عثمان عن الطريق الذي اندفع إليه.
طول الليل يكتب وينسخ شكاوى يوضح فيها كيف أن المصلحة ظلمته في خمس سنوات كاملة من مدة خدمته.
ومهما كان الوقت الذي تنتبه فيه نرجس, وتفتح عينيها وهي نائمة على جنبها في عز الليل, كانت تراه وهو منكفئ على الطبلية يكتب دون توقف, وقد تكومت الشكاوى وصورها على الكنبة المجاورة لكتفه اليسرى. وتناثرت على الكليم من حوله, أوراق سليمة وممزقة, بيضاء ومسطرة, وأخرى من الكربون.
في البداية كان البهي يكتب بقدر من التركيز, ويكتفي بشرح حكاية الظلم الذي وقع عليه, والنتائج التي لا يمكن تصورها, في حالة عدم قيام الحكومة بإصلاح الأمر. وكان واثقًا بأنها سوف تصلحه, لأن الخطأ الذي وقع واضح, هو معين على الكادر الفني, وكل الأوراق الرسمية تثبت ذلك, أي أن سن خروجه على المعاش يجب أن يكون في الخامسة والستين, أما اعتباره على الكادر الكتابي, عن طريق الخطأ, وإنهاء مدة خدمته في سن الستين, فهو لن يحرمه فقط من العمل وصرف مرتبه كاملاً طول السنوات الخمس التي يستحقها, ولكنه سوف يحرمه من عشرة جنيهات, بواقع جنيهين علاوة عن كل سنة, وهو ما يعني زيادة معاشه, عندما تنتهي مدة خدمته الفعلية, في سن الخامسة والستين.
والحقيقة أن البهي عثمان صرف الليالي حتى استطاع أن يعرض موضوعه بوضوح بحيث يمكن لأي مسؤول أن يفهمه, الأمر الذي ملأه اعتزازًا بقدرته التي تجلت وقت الحاجة. وقد أغلق الباب, وجلس أمام نرجس على الكنبة الأخرى, قرأ لها الشكوى متمهلاً, بصوت سمعته غريبًا في أذنيها. وعندما أعاد القراءة مرة أخرى, وهو واقف, تغير شكله أكثر, الأمر الذي جعلها تسرح بعيدًا عن الكلام الذي تسمعه. كلام يبدأ بالبسملة, والتحية, ثم يعرض موضوعه, يقول إنه لا يتصور أن يحدث معه ذلك بعد اثنين وأربعين عامًا من الخدمة, لم يوقع عليه خلالها جزاء واحد, لذلك فهو يطالب برفع الظلم عنه, وردّ السنوات الخمس التي هي من حقه, أسوة بكل زملائه المعينين على الكادر الفني نفسه. وكان ينهي شكواه قائلاً إنه يحتفظ لنفسه بحق المطالبة بالتعويض إذا استمر هذا الخطأ, وهي عبارة استقرت في وعيه بسبب من طابعها القانوني, ولأنه صادفها في العديد من الشكاوى التي كان شاهدًا عليها. كان يلقيها في إيقاع بطيء منذر. الأمر الذي جعل نرجس تنتبه, ويأخذها شيء من الوجل.
إلاّ أن الآمال التي علقها لم تستمر طويلاً; جاءت الإجابة تقول إنه حُوِّل قبل عدة سنوات من الكادر الفني إلى الكادر الكتابي بعد أن قرر القومسيون الطبي, عند تجديد رخصة القيادة, أن نظره أصابه الضعف, ولم يعد قادرًا على قيادة الموتوسيكل وجمع الخطابات من الصناديق, وأنه بالفعل, اشتغل مسؤولاً عن دفتر الحضور والانصراف, وقد وقع في حينه بتسلم ذلك العمل الكتابي.
هذا الكلام صدمه وجعله يغير من مضمون شكواه بحيث اتخذت طابع الاستغاثة الصريحة. أرسل عشرات منها إلى المصلحة, والوزارة والنقابة, والنائب العام, والاتحاد الاشتراكي, كما كتب رسالته الأخيرة إلى الرئيس جمال عبد الناصر. أخبره أنهم أثناء فرز الخطابات, كانوا يعثرون على منشورات الضباط الأحرار (بسبب مظاريفها المتشابهة) قبل قيام الثورة, وأنهم لم يبلغوا عنها, بل كانوا يعطونها لزملائهم الموزعين لكي يقوموا بتوزيعها دون أن يشعر واحد من المسؤولين. كان يأمل أن الرئيس سوف يقدر أنه أحد الذين أخلصوا للثورة وساهموا في نجاحها. وبينما هو يتوقع ردًا مات عبد الناصر فجأة.
تطورت المشكلة, تحدثت معه نرجس والعيال. طلبوا منه ألاّ يهتم, وأن الوقت قد حان لكي يستريح: (وبعدين فرقها بسيط, يعني تعوضه من توفير المواصلات). والبهي عثمان كان يهزّ رأسه مقتنعًا بشيء من الحرج, إلاّ أنه, بينه وبين نفسه, كان مؤمنًا بعدم موافقته على قبول هذا الوضع أبدًا. كان يبدأ يومه بحلاقة ذقنه أمام المرآة وهو يتطلع إلى وجهه الطفولي المشرب بالحمرة, وعينيه الجميلتين, ويسوى شاربه القصير الذي شابه البياض, ويرتدي بذلته البنية ورباط عنقه اللامع, ويحمل ملفًا فيه صور عدة من شكواه الأولى ويتجه إلى المصلحة. أما الآن, فقد جعلته النتائج السلبية يفقد نضارته تمامًا, كان يبدأ يومه بارتداء ثيابه على عجل, يتناول الملف الذي تضخم وذبلت أوراقه, دون حلاقة, ويندفع دون تمهل.
كان يعود آخر النهار مهدودًا, من حيث لا يعلم أحد.
لم تعد نرجس تراه نائمًا, في الليل, أو في النهار.
مع الوقت, تخلّى تمامًا عن عاداته السابقة; فهو يرتدي أي بنطلون أو قميص يخصّه أو يخص أحدًا من الأولاد ما دام قريبًا من يده, الأمر الذي جعل كل واحد منهم حريصًا على ثيابه. كما أنه صار يسخر علانية من حرص نرجس على مشاعر الناس ولم يعد يهتم إطلاقًا بما يقوله فلان أو فلانة, وتوقف تمامًا عن الذهاب إلى الجامع.
البهي عثمان, رفع قدمه اليمنى, بقدر ما يستطيع.
صعد إلى عربة نصف النقل, وجلس بجوار نرجس في أول الدكة الخشبية, داخل صندوق السيارة المصنوع من مشمع, مبقع, ومقطوع.
كان يرتدي بدلة بنية قديمة وكرافتة لامعة.
يده اليمنى تتشبث جيدًا بالقائم الحديدي المبروم, ويده اليسرى تمسك المسبحة, وأجرة الركوب.
وبينما كانت نرجس ترتدي ثوبها الثقيل الداكن, وطرحتها الحريرية السوداء, وتميل برأسها لكي تتفرج على الطريق, كان هو يميل بركبته من سكة الركاب الذين يصعدون.
تحركت العربة وقد امتلأت, ووقف الرجال على المصدّ الخلفي وهم يمسكون بعارضة السقف المغطى. راحت تتقدم ببطء وهي تتأرجح بحمولتها, وتتوقف مرارًا بسبب العربات, وأكوام الزبالة والناس. وعندما عبرت المزلقان, انخفض المصدّ واحتكّ بقوة بحديد القضبان.
قال البهي وقد آلمته الخبطة في مؤخرته الجافة:
(العربية بقت على الزُّنط).
وضحك الرجل المعلق على يمينه, والتفت إلى جاره.
البهي عثمان لاحظه فورًا, ورفع مقدمة رأسه الخالية من الشعر, وابتسم متسائلاً بعينيه المجهدتين.
قال الرجل موضحًا:
(اسمه الجنط, مش الزُّنط).
استغرب البهي عثمان, وانشغل باله طول الطريق.
وعندما نزلا, وعبرا الشارع, فتحت نرجس فمها الخالي من الأسنان:
(هو أنت كنت بتقول إيه, لما الناس ضحكت عليك في العربية?)
توقف على الرصيف وسألها غاضبًا:
(مش كان فيه حاجة زمان, اسمها الزُّنط?)
(الله. هو إيه اللي كان فيه حاجة زمان, اسمها الزنط?)
(إمال أنا جبت الكلمة دي منين?)
(جرى إيه يا أبو عبده? مش هو ده الطرطور الصوف, اللي كانت المصلحة بتسلمه لك مع البالطو الشتوي, قبل ما تطلع على المعاش?)
أبو عبده تأملها قليلاً, وواصل مشيه صامتًا.
وهي أضافت:
(ده إحنا لسه عندنا واحد منهم).
(في الشقة?)
(والنبي شايفاه وأنا بارّوق الدولاب).
وتوقفت في قطر الندى, أمام البيت الذي يطل على فضل الله عثمان:
(وأنا لابسَة بالمرّة, أطلّ على خالتك هانم, وأجيب لك المنشار اللي أنت عاوزه من عبد الرحيم).
قال:
(عبد الفتاح مين?)
(جرى إيه يا راجل? باقول لك عبد الرحيم, أخويا).
ودفعت الباب الخشبي المردود, ونزلت العتبة, وتقدمت في الطرقة الطويلة:
(يا جماعة يا للي هنا). صاحت دلال من الداخل: (ادخلي يا عمتي).
وقال شقيقها وهو يُغادر الحجرة الكبيرة:
(تعالي يا ام عبد الله).
(أمك عاملة إيه يا عبد الرحيم?)
(أهي زي القردة).
(أحسن من امبارح?) (بكتير).
ورافقها إلى الحجرة الصغيرة في نهاية الحوش المسقوف. وتبعهما الولد عبد الله الصغير, وبقية الأولاد. كانت نائمة في العتمة, غير واضحة في ركن السرير. قال الولد:
(قومي يا هانم. بنتك جت).
قال عبد الرحيم وهو يلكز الولد: (نرجس يامّه).
(تعالي يا ختي).
(خليكي نايمه. أنا قاعدة مع العيال برّه).
نرجس قعدت في الحجرة الكبيرة. ودلال عملت الشاي. شربوه وتكلّموا. ولما قامت, عبد الرحيم رافقها وهو يحمل المنشار.
فتحت الباب ودخلت. كان الجو حارًا.
الشقة كلها مضاءة, والشبابيك مقفلة, والبهي عثمان قاعد على كنبة الصالة أمام التليفزيون المفتوح, بالفانلة واللباس.
الطرطور الصوفي الطويل يغطي رأسه حتى الحاجبين. وحافته العريضة مدلاة حول رقبته, بعراويها الصغيرة التي تثبت في ياقة المعطف أثناء مطر الشتاء.
ضربت نرجس بيدها على صدرها وهي تجلس على حافة الكنبة الأخرى.
وأمسكت بذقنها وقالت:
(بسم الله الرحمن الرحيم).
وقال عبد الرحيم وهو واقف بالمنشار في فتحة الباب: (إنت لابس إيه في دماغك? ده الجوّ ولعه).
كان صامتًا. في عينيه انفراجة.
رأسه المختفي داخل الطرطور مائل قليلاً إلى ناحية.
يمناه في حجره, والأخرى ممتدة على ركبته المثنية العالية.
والمسبحة القديمة مدلاة.
من أصابع اليد الملمومة.
في شمس النهار.
على جانب من الدرب المترب الصاعد.
بين مدافن سيدي عمر.
جلست نرجس على الأرض باكية وحولها بناتها. ونساء فضل الله عثمان النائحات في جلابيبهن المعفرة السوداء.
وعندما مرّ بها البهي عثمان, محمولاً في صندوقه الخشبي المغطى بالقماش الباهت المنقوش, على بعد خطوات قليلة منها, رفعت وجهها بالعيون التي جف فيها الدمع.
صاحت تعاتبه:
(كده برضه تعملها يابو عبد الله?).
الدنيا صيف, والبلح الأحمر طلع.
ونرجس كانت وحدها لأن البهي عثمان كان في المصلحة, والولد عبد الله في المدرسة, والعيال فوق السطوح.
كانت تسرّح شعرها الطويل المفروق, وجهها الخمري محمرّ ودافئ, وتضيق عينيها كلما تعثرت الفلاية الخشبيّة في خصلاته الكثيفة الدكناء.
عبد الرحيم فاجأها وسلم عليها. سحب القفتين داخل الحجرة وقعد على الكنبة حتى نشف عرقه وارتاح. وهي لمت شعرها على ظهرها وبدأت تسأله عن البلد. ولكن عبد الرحيم خرج إلى فضل الله عثمان ومنه إلى قطر الندى, ومشى بجلبابه البلدي وحذائه الجديد حتى طلع إلى طريق النيل ووقف بقامته الكبيرة على حافة الشاطئ.
راح يتفرج على البنات وهن يغسلن الأواني أسفل الدرج الحجري. وراقب الأولاد الذين يصطادون السمك بالسنانير, ولاحظ أن كل ولد منهم يمسك غابة رفيعة أقل من متر أو أطول قليلاً, وأن السمك الذي يخرج من الماء كان صغيرًا وهو يرتجف تحت الشمس, ويضيء.
عبد الرحيم تقدم ونزل الدرج الحجري المبتل وسأل أقرب الأولاد:
(أنتم بتصطادوا بإيه يا شاطر?)
قال الولد:
(بنصطاد بسنّارة).
(أنا باسأل عن الطُّعم).
فتح الولد يده عن كرة صغيرة لدنة: (دي?)
(آه).
(دي عجينة). (قمح ولا درة?)
(باقول لك عجينة. بس زفرة).
وجذب السنارة بشدة, ولكنها خرجت خالية من الماء.
حينئذ رفع عبد الرحيم وجهه, وتطلع بعينيه الواسعتين إلى سطح النهر الذي غضنه الهواء الخفيف. وبعد أن أخذ كفايته من الفرجة على الأولاد, والبنايات النظيفة الهادئة في الجانب الآخر, صعد الدرجات المبتلة وهو يلم ذيل الجلباب, وعبر الطريق إلى ناصية حارة (حوّا) وتمهل أمام ربيع بائع شباك الصيد والسنانير, ورأى حزمة الغاب الرفيعة المركونة عند مدخل الدكان, ورجع إلى فضل الله عثمان.
كان البهي عثمان قد عاد من البوستة. قلع بدلة المصلحة والطربوش ولبس الجلباب. ونرجس ضفرت شعرها وربطت المنديل. والولد عبد الله رجع من المدرسة, سبق خاله ووقف مع أخيه سلامة وأخته الصغيرة إحسان, وفي يد كل منهم قرصة صغيرة يقضمها. يتابعون أمهم التي رفعت ملاءة السرير ذي الأعمدة الطويلة السوداء حيث وضعت بلاص المش الصغير, وقدر السمن البلدي, وعلبة العسل الأبيض, وراحت تلتقط أعواد البرسيم عن قطع الجبن القريش التي امتلأت بها المصفاة النحاسية, وطلبت من البهي أن يضع لها القفة الخالية على ظهر الدولاب, وسحبت القفة الأخرى. تناولت منها عددًا من الفطائر البلدية الثقيلة التي ترشح بالسمن البلدي ووضعتها في غطاء الحلة النحاسية الكبيرة, وركنت القفة بما تبقى فيها من أرغفة العيش المرحرح والقرص الوردية الصغيرة المعجونة بالحليب الخالص, والتي جعلت البهي عثمان يشم رائحة البلد وهو واقف على الكنبة بقامته القصيرة النظيفة, يعدل القفة الخالية على ظهر الدولاب. وعندما دخل عبد الرحيم نزل واحتضنه:
(سلامات يا عبد الرحيم).
(إزيك انت يا سي البهي?)
(بخير, كنت فين?)
(طلعت على البحر وجيت).
(الحمد لله على السلامة).
(الله يسلّمك. إزيّك يا واد يا عبد الله?)
وقال عبد الله دون أن يلتفت:
(كويس).
كانت نرجس قد أطفأت الوابور, ووضعت الصينية النحاس على الطبلية, ومدت طبق الأرز الكبير وسلطانية الشربة القيشاني, وزوجًا من الفراخ المحمّرة التي أرسلتها أمها هانم من البلد:
ورجعت تقول: (أمك عامله إيه يا عبد الرحيم?)
(بتسلم عليكي).
(وستك عزيزة?)
(زي القردة).
(وخالك عبد العزيز?)
(حلو).
وقال البهي عثمان وهو يمضغ: (لسه الميه بتحرقه).
(آهي ساعات تحرقه وساعات يروق).
(لما نيجي مسافرين ناخد له علبة فوار. الفوار هنا حلو قوي).
(فوار إيه?)
(مخصوص للحرقان). (وماله).
هكذا قال عبد الرحيم وهو مشغول بتلك الغابة الطويلة التي رآها في حوش البيت وفي آخرها مقشة من اللوف الأحمر. وقال (هي الغابة اللي في الحوش دي بتاعة مين?)
قالت نرجس: (بتاعتنا).
(وسايبينها في الحوش ليه?)
(أصلها طويلة على الأوضة (كلمة من أصل تركي تعني الغرفة). بتسأل ليه يا عبد الرحيم?)
(عاوز أعملها سنارة).
(سنارة إيه يا وله? أنت جاي مصر تصطاد ولا جاي تشتغل?)
وقال الولد عبد الله: (هو إيه اللي سنارة? دي تروح لنص البحر).
وتساءل البهي: (جبت جواب التعيين ولا نسيته?) (معايا).
وقعد يأكل وهو ساكت. ثم انشغل فترة المساء بإعداد الغابة الطويلة بينما نصفها خارج الحجرة بسبب طولها الذي جاوز الأمتار الخمسة بقليل.
اشترى أكبر هلب وجده عند ربيع بائع السنانير, وثقّالة من الرصاص, وخيطًا متينًا ربطه بطرف الغابة بعد أن خلع اللوفة الحمراء سليمة كما اشترطت نرجس عليه, حتى يمكنها أن تستخدمها وقت اللزوم. عبدالرحيم فعل ذلك بينما البهي عثمان جالس على الكنبة يدخن السيجارة اللف, يراقبه وهو نعسان, بوجهه الأبيض المشرب بالحمرة, وشعره الأجعد الداكن, وعينيه اللوزتين.
وقام الولد عبد الله وأتى بسنارته الصغيرة من جنب الدولاب:
(اصطاد بدي أحسن يا خال).

وتأمل عبد الرحيم الغابة الرفيعة وقال:
(ما هي قدامك أهه. سنارة).
(بتاعة العجين?)
(ودود كمان).
(ما تنفعش).
وعلق البهي عثمان: (دي حاجة ودي حاجة).
وقال الولد: (هو حر. بس لما العيال تضحك عليه, ماليش دعوه).
قال عبد الرحيم: (اسكت يا واد يا ابن نرجس. اسكت).
وتثاءب البهي ساخرًا: (يسكت إزاي? ما يصحش).
ضبطت نرجس براد الشاي على الوابور المشتعل:
(ما هو صحيح يا عبد الرحيم. الناس كلها بتصطاد بسنانير صغيرة).
توقف عبد الرحيم عن تركيب قطعة الرصاص, وقال:
(جرى إيه يا نرجس? هو قنايه? ده بحر (يطلق عدد كبير من المصريين على النيل اسم البحر).
وعقد قطعة الفلين المدورة.
لفّ الخيط على الغابة الطويلة, وركنها خارج الحجرة. ونام.
عندما قاموا في الصباح, أعادوا المرتبة التي نام عليها عبد الرحيم والأولاد إلى مكانها مع المرتبة الأخرى على السرير العالي, وتناولوا إفطارهم من الفطير والجبن والعسل الأبيض وشربوا الشاي.
قسمت نرجس واحدة من الفطائر البلدية شرائح متساوية, مع كل شطيرة أضافت قطعة من الجبن القريش وبعض القرص, ووضعت الطرحة على رأسها, ودارت بحمولتها على جيرانها من السكان.
عندما عادت, خرج البهي عثمان من المرحاض وهو يخبط بالقبقاب, وقد توضأ وأعدّ نفسه لصلاة الجمعة, بينما غادر عبد الرحيم البيت وهو يحمل على كتفه أطول سنارة شهدها فضل الله عثمان حتى ذلك الوقت, والولد عبد الله يتبعه بالصندل والجلباب.
نزل عبد الرحيم درجات السلم الحجري المبلول, وتقدم يسارًا على الحافة وهو يفحص المكان تحت قدميه, وركن الغابة ولمّ الجلباب على وسطه, وانتزع من طمي الشاطئ, بكلتا يديه, حجرًا كبيرًا ألقى به, وراح يلتقط دود الصيد الطويل الأحمر الذي راح يفر وهو يلاحقه, ثم أعد كرة من هذا الطمي حول الدود الذي جمعه لكي يظل حيًّا. واستبقى واحدة في راحة يده, يصفق عليها بيمناه, ولما همدت قطع منها طرفًا طعّم به هلب السنارة, وترك البلغة للولد عبد الله الذي استلقى على الشاطئ, خوض في ماء النهر الذي بلل سرواله المدلّى, وطوّح الخيط بكل قوته, وراح يتابع الغمازة.
وما إن امتدت الغابة الطويلة غير المستوية وتقدمت على كل شيء سواها حتى أثارت انتباه الأولاد, وساد الشاطئ جو من الترقب والقلق.
وانتهت الخطبة الطويلة, كما انتهت صلاة الجمعة بالمصلى الذي يعلو الشاطئ, وعبد الرحيم واقف يتابع الغمازة بعينين يقظتين, حتى بدأت تغطس وتطفو على سطح الماء.
تحفز وهو يقبض على الغابة جيدًا في انتظار التوقيت المناسب, وفجأة جذبها بكل قوته. وانسحب الخيط سريعًا وهو يثير رذاذًا ويدور في الهواء ثم يقترب, وفي نهايته الصيد الأدكن الذي ما إن واجه عبد الرحيم حتى خمشه بقسوة في أنفه وهو يرفرف ويطير محلقًا بطرف الخيط, لأنه كان عصفورة علقت في هلب السنارة أثناء طيرانها في الجو. وصدم عبد الرحيم لأنه لم يفهم وظن الشيء خارجًا من الماء. كما بوغت الحاضرون حين رأوه يصعد الشاطئ متعثّرًا وبعيدًا عن السلم يقع ويقوم, ولكنه رغم ذلك يظل قابضًا على الغابة الطويلة رافعًا إيّاها, واندفع الأولاد وراءه والعصفورة المشبوكة تأخذ طرف الخيط وتحلق به أعلى من الجميع, حتى صارت زفة كبيرة اتجهت ناحية الكوبري الكبير.
عاد عبد الله إلى فضل الله عثمان وألقى بلغة خاله وراء الباب. وقالت نرجس:
(إيه دي يا عبد الله?) (البلغة بتاعة خالي عبد الرحيم).
(إمال هو فين يا وله?)
(ما أعرفش).
(يا مصيبتي. يبقى غرق في البحر).
(ما غرقش ولا حاجة).
(أمال جايب بلغته ليه يا عبد الله?)
(هو اللي سابها وجري).
وقام البهي عثمان واقفًا: (جري?)
(والناس كلها بتجري وراه).
وصرخت نرجس: (ليه? عمل إيه يا عبد الله? اتكلم).
(أصل السنارة بتاعته اصطادت عصفورة).
وقال البهي عثمان وقد اصفرّ لونه: (يا نهار اسود. عصفورة?)
(آه. من البحر).
(إزاي الكلام ده?)
(بس عصفورة لونها أزرق).
(وهو فين دلوقت?)
(جري ناحية القِسم)
وظهر التردد واضحًا على وجه البهي عثمان: (القِسم?) وحدق إلى الولد بعينين غاضبتين: (آه يا ابن الكلب يا وسخ).
وقال عبد الله وهو يوشك على الهرب... (الله. وأنا مالي?)
أسرع البهي إلى فضل الله عثمان وهو يمسك ذيل الجلباب, بينما خطفت نرجس الملاءة ووضعت البرقع على وجهها واندفعت.
عندما عثروا عليه بعد رحلة صيده الأولى تلك, كان منهكًا في جلبابه المبلول, وقدميه الحافيتين. كان وجهه مجروحًا وشعره منكوشًا بعد أن أضاع طاقيته الجديدة حتى أنكرته نرجس, واقتربت منه لتعرفه.
عادوا به إلى فضل الله عثمان, وأغلقوا الباب على أنفسهم.
اغتسل عبد الرحيم ونام مغمض العينين. لم يهدأ إلاّ بعد أن أعدت له نرجس كوبًا من الشاي ودعكت جبهته بنصف ليمونة خضراء.
حينئذ فقط فتح عينيه وأدارهما فيمن حوله. ثم انخرط في البكاء.
عندما أفاق, بعد أن أزالوا الحصاة من كليته اليمنى, رآها أمامه بالبالطو الأبيض المحبوك, وغطاء الرأس المشبوك في شعرها الأشقر.
ابتسمت له بعينيها الملونتين, وانصرفت.
في المرة الثانية مدّت يدها وعرّتْه.
غيرت الضمادة, ونظفت بطنه المكشوف (...).
مع كل غيار جديد كان جسده كله يتوقع تلك اللمسة التي لا ينساها. وعندما لاحظ أنها لم تَعُدْ إلى فعلها مرة أخرى, أدرك أنها تشعر بالحرج لأنه يتابعها بعينيه. لذلك فكر أن يعفيها من هذا الحرج. وكانت وسيلته أن يجعلها تظن أثناء الغيار أنه غير منتبه, بل مشغول بأشياء أخرى. لذلك يتجه بنظره ناحية النافذة البعيدة, أو يغمض عينيه تمامًا. ولكنها كانت تنتهي من عملها, وتسحب طرف الجلباب على ساقيه المشعرتين.
إلاّ أنها, قبل أن تنصرف, كانت تتمهل عند وجهه القمحي وعينيه البنيتين, ونظرة الامتنان الوديعة التي يستقبلها بها. لقد أدركت أنه ابن أسرة طيّبة, مقتدرة. شقيقته نرجس فتية وجميلة, تزوره كل يوم وهي لابسة الغوايش الذهب والحلق والكردان, محملة بأكياس الفاكهة التي توزع منها على المرضى والحكيمات. كما كان للبهي أفندي, زوجها, هيبته وهو يدخل في بدلته الصوفية وربطة عنقه البنية بنقوشها الداكنة وطربوشه الأحمر, حيث يجلس صامتًا على حافة السرير بشعره الأجعد اللامع, يلف السيجارة من علبته المعدنية المنقوشة, ويتطلع إليها بوجهه المشرب بالحمرة وعينيه الفاتنتين. كان اسمها أفكار. وكانت تعرف, مثل غيرها من العاملين, أن عبد الرحيم أودع أمانات المستشفى مبلغًا كبيرًا من المال, قال إنه إيجار أرضه الموجودة بالبلد (والحقيقة أنه كان نصيبه من ثمن قطعة أرض باعوها لأنها خارج الزمام) كما تعرف أنه موظف حكومي. تصوب له النظرة من عينيها الجريئتين فيرجع عينيه على الفور. وعندما تحضر نرجس لزيارته وتسأله عن الجرح يطمئنها ويشكر لها في الست الدكتورة.
مرّة قالت نرجس: (أنهي دكتورة يا عبد الرحيم?)
(اللي بتغير لي).
(البيضة الحلوة دي?)
(أيوه. طيبة وإيدها خفيفة قوي).
(دي الممرضة يا وله).
ضحك وقال: (لأ يا شيخة).
(الله, مش أفكار?)
(أيوه).
(والنبي الممرضة بتاعة العنبر).
نرجس لم تضيع وقتًا. كانت تريد أن تبعده عن بسيمة الموضة بأي ثمن. تحدثت مع أفكار وعرفت عنوان البيت الذي كان على مقربة من سيدي حسن أبو طرطور. ولم يمر على خروج عبد الرحيم من المستشفى عدة أسابيع إلاّ وكان قد خطبها.
في البداية, عندما أخبرته نرجس بموافقة أفكار على الخطبة, لم يقتنع لولا اللمسة القديمة التي لا ينساها ويتذكرها في كل وقت (...), ولا يمنعه من الاستمرار إلاّ جرح بطنه. هذه اللمسة التي كانت سرًا بينهما هي التي جعلته لا يستبعد الموافقة. ومع الوقت تقبل حقيقة أن بشرتها وردية. وعينيها لونهما أخضر وأصفر وشعرها أشقر. لكن مسألة أن صدرها نحيل ومع ذلك عندها كل هذه المؤخرة الكبيرة والساقان الممتلئتان هي التي جعلته يلزم مكانه, مع إحساس مبهم بالأسى, واليأس.
مع ذلك, تمت الخطبة وكتب الكتاب في يوم واحد. واتفقوا أن يكون الزفاف في مثل هذه الأيام من العام القادم. ذهب عبد الرحيم مع البهي عثمان إلى شركة بيع المصنوعات المصرية واشترى بدلة صوفية لونها زيتي وبها خطوط رفيعة بيضاء, وقميصًا أبيض وكرافتة. راح يراقب البهي عثمان وهو قاعد على الكنبة يعقدها حول ركبته المثنية, ثم انحنى أمامه بياقة قميصه المرفوعة وارتداها. وجاءت أمه هانم من البلد بقامتها الممشوقة ووجهها المشرق في طرحتها الكريب جورجيت السوداء, وجلست بكبريائها المعروف تداري إعجابها بجمال أفكار التي ألبسوها شبكة عبارة عن سوار على شكل ثعبان ثقيل وحلق ودبلة. وفي الركن, إلى جوار البهي عثمان, جلس عبد الرحمن, عمدة البلدة وابن عم عبدالرحيم, الذي جاء بعربته المرسيدس البيضاء, ومعهم الخال الكبير عبد العزيز أبو شنب بوجهه الغاضب وعينه شبه الحولاء, والذي أصرّ بعد كتب الكتاب على عدم البيات والعودة إلى البلد, بأية طريقة كانت.
أفكار لاحظت أن عبد الرحيم يخشاها ولذلك شجعته. كأن تمسك يده لكي تشرح له شيئًا, أو تلمسه أثناء مرورها بمؤخرتها التي كان لها موضع خاص بالنسبة إلى أفكاره, والحقيقة أنه حاول أكثر من مرة أن يتجرأ عليها ويلمسها لكن قواه خذلته تمامًا. كان مجهدًا من لون شعرها وعينيها وبشرتها وصوتها الحريمي الآمر. وعندما وقفت تتحدث معه بالجلباب البيتي المكشوف وتفرجه على قمصان النوم الخفيفة التي أرسلها لها خالها من الخارج, ظل يتفرج ويسمعها وهو حزين فعلاً. ولاحظ أنها انتهت من إغلاق الحقيبة القديمة وانحنت أمامه. وضعتها تحت الدولاب واعتدلت. تركت خدها قريبًا من فمه وأسبلت عينيها. استغرقت في تأمل ملاءة السرير بطريقة غامضة. حينئذ تذكر لمسة إصبعها (...) وهو في المستشفى وفكر أن يقبّلها ولكنها ابتعدت بوجهها قليلاً وأُحرج هو من مدّ شفتيه لكي يطولها, ووجد من الأسهل عليه أن يمد يده المدلاة بينهما ويمسك الجلباب من تحت إلى تحت ويعرّيها. وأفكار احمرّت وخلصت جلبابها منه بالعافية وتركت الحجرة غاضبة. وهو طلب إجازة عارضة ولم يذهب ثاني يوم إلى العمل.
باتت أفكار حريصة, منذ ذلك اليوم, على ألاّ تنفرد به في أي مكان, أو تعطيه ظهرها في أية حال من الأحوال.
انتهى الربيع واستأجرت له نرجس الدار التي تطل على فضل الله عثمان من أوله. وعبد الرحيم توقف تمامًا عن ارتداء بدلته الصوفية التي اشتراها من أجل الفرح. ولمّ القميص الأبيض بياقته المنشاة وركنهما في الدولاب.
عندما يعود من العمل يقلع بدلة المصلحة الصيفية ويرتدي الصديري البلدي بجيوبه الكبيرة التي تسع محفظته وأوراقه تحت أي من جلابيبه التي قام بتفصيلها الغمريني, خياط البلد الذي لا يضاهيه أحد في مصر كلها. أفكار كانت تعجب بقماش هذه الهدوم عندما يزورهم في البيت وتراها على قده. وعندما ذهب إليهم ليلاً لكي يأخذها مع شقيقتها الصغرى إلى السينما الصيفية بعد أن فتحت بثلاثة أفلام, وجدها لابسة فستانًا كحليًا وحزامًا رفيعًا أبيض, وشعرها الأصفر ذيل حصان ونائم على ثديها الأيسر, ونظرت إليه:
(الله. هو انت مش رايح?)
(رايح فين?)
(رايح فين? السينما).
(إزاي بقى. التذاكر أهه).
ومد يده إلى جيبه العلوي وأخرجها.
(إمال مالبستش ليه?).
عبد الرحيم نظر إلى جلبابه النظيف المكوى, وحذائه المربوط, وضحك: (ألبس إيه, هو انا قالع?)
(يا بني آدم تلبس بدلة, قميص وبنطلون, أي حاجة تانية).
(بدلة إيه بس, هو انا مسافر?)
وتوقفت أم أفكار التي كانت تذهب وتجيء عبر الصالة: (جرى إيه يا أفكار?)
(هو إيه اللي جرى إيه يا ماما?)
وقامت واقفة فانحدر ذيل الحصان عن ثديها الأيسر واختفى وراءها.
(مش ممكن امشي معاه بالشكل ده).
(يا بنتي دول خطوتين).
وقالت البنت الصغيرة: (يعني مش ح نروح السيما يا أبله).
أفكار جلست. (ما ينفعش). وفكرت وقالت:
(هات التذاكر دي).
تناولتها.
شارك مع أصدقاؤك :

قوالب أخرى قد تناسب مدونتك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم : Maskolis | تعريب محمد مير | DiimaBLg
copyright © 2011. مدونة يوسف - All Rights Reserved
تصميم : Maskolisتعريب محمد مير
Proudly powered by Blogger custom blogger templates